محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
45
الآداب الشرعية والمنح المرعية
أيضا أن حسن الظن بأهل الشر ليس بحسن ، فظاهره لا يحرم ، وظاهر قوله عليه السّلام " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " " 1 " أن استمراء ظن السوء وتحقيقه لا يجوز ، وأوله بعض العلماء على الحكم في الشرع بظن مجرد بلا دليل وليس بمتجه ، وروى الترمذي عن سفيان : الظن الذي يأثم به ما تكلم به ، فإن لم يتكلم لم يأثم . وذكر ابن الجوزي قول سفيان هذا عن المفسرين ، ثم قال : وذهب بعضهم إلى أنه يأثم بنفس الظن ولو لم ينطق به ، وذكر قبل ذلك قول القاضي أبي يعلى إن الظن منه محظور وهو سوء الظن باللّه والواجب حسن الظن باللّه عز وجل ، وكذلك سوء الظن بالمسلم الذي ظاهره العدالة محظور ، وظن مأمور به كشهادة العدل وتحرى القبلة وتقويم المتلفات ، وأرش الجنايات ، والظن المباح كمن شك في صلاته إن شاء عمل بظنه وإن شاء باليقين ، وروى أبو هريرة مرفوعا " إذا ظننتم فلا تحققوا " " 2 " وهذا من الظن الذي يعرض في قلب الإنسان في أخيه فيما يوجب الريبة فلا ينبغي أن يحققه والظن المندوب إليه إحسان الظن بالأخ المسلم ، فأما ما روي في حديث " احترسوا من الناس بسوء الظن " " 3 " فالمراد الإحتراس بحفظ المال مثل أن يقول إن تركت بأبي مفتوحا خشيت السراق انتهى كلام القاضي . وذكر البغوي أن المراد بالآية سوء الظن ثم ذكر قول سفيان ، وذكر القرطبي ما ذكره المهدوي عن أكثر العلماء أن ظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز وأنه لا حرج بظن القبيح بمن ظاهره قبيح ، وقال ابن هبيرة الوزير الحنبلي : لا يحل واللّه أن يحسن الظن بمن ترفض ولا بمن يخالف الشرع في حال ، وقال البخاري في صحيحه ( باب ما يكون من الظن ) ثم روي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا " " 4 " وفي لفظ " ديننا الذي نحن عليه " قال الليث بن سعد : كانا رجلين من المنافقين . وعن عبد اللّه بن عمرو الخزاعي عن أبيه قال : دعاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح فقال لي : " التمس صاحبا " فجاءني عمرو بن أمية الضمري فقال بلغني أنك تريد الخروج إلى مكة وتلتمس صاحبا قلت أجل ، قال : فأنا لك صاحب قال : فجئت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت : قد وجدت صاحبا فقال : " من ؟ "
--> ( 1 ) متفق عليه البخاري ( 6066 ) ومسلم ( النكاح / 1413 ) . ( 2 ) هذا الحديث حديث جابر وليس حديث أبي هريرة كما قال المصنف أخرجه الطبراني ( 1 / 11330 ) وضعفه الألباني وانظر غاية المرام ( 302 ، 418 ) . تنبيه : - عزا العجلوني هذا الحديث لابن ماجة ولم أعثر عليه . ( 3 ) ضعيف جدا أخرجه الطبراني في الأوسط ( 1 / 36 / 1 / 592 ) وابن عدي ( 6 / 2398 ) وقد تفرد به بقية بن الوليد ( مدلس ) وانظر المجمع ( 8918 ) والضعيفة ( 156 ) . ( 4 ) البخاري ( 6067 ) .